محمد هادي معرفة

274

التمهيد في علوم القرآن

فمن ذلك ما يحكى عن بعض الكهّان : والأرض والسماء ، والغراب الواقعة بنقعاء ، لقد نفر المجد إلى العشراء . ومنه ما يحكى عن مسيلمة الكذاب : يا ضفدع نقّي كم تنقّين ، لا الماء تكدرين ، ولا النهر تفارقين . فهذا أغثّ كلام يكون وأسخفه ، وقد بيّنا علّته ، وهو تكلّف المعاني من أجله ، وجعلها تابعة له من غير أن يبالي المتكلّم بها ما كانت ! وفواصل القرآن كلها بلاغة وحكمة - على ما سبق بيانه - لأنّها طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدلّ بها عليها . وإنما أخذ السجع في الكلام من سجع الحمامة ، وذلك أنه ليس فيه إلّا الأصوات المتشاكلة مع إغفاء المعاني ، كما ليس في سجع الحمامة إلّا الأصوات المتشاكلة - الهدير « 1 » - وهكذا المعنى في السجع ، إذا تكلّف له من غير وجه الحاجة إليه ذاتا ، أو ملاحظة الفائدة فيه ، لم يعتد به ، ولم تخرج الكلمات بذلك عن كونها غير ذوات مفهوم ، فصارت بمنزلة هدير الحمام ، ليس فيه سوى ترجيع أصوات متشاكلة « 2 » . ووافقه القاضي أبو بكر محمّد بن الطيب الباقلّاني ( توفي سنة 403 ) تأييدا لمذهب أبي الحسن الأشعري ( توفي سنة 334 ) في نفي السجع من القرآن « 3 » قال : ذهب أصحابنا ( الأشاعرة ) كلهم إلى نفي السجع من القرآن ، وذكره أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه .

--> ( 1 ) يقال : هدر الحمام إذا قرقر وكرّر صوته في حنجرته . ( 2 ) النكت في إعجاز القرآن : ص 97 - 98 . ( 3 ) هو عنوان الباب الذي عقده الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن ( بهامش الاتقان : ج 1 ص 85 ) .